ابن حزم
150
رسائل ابن حزم الأندلسي
عجينا واحدا ، وما أشبه ذلك . وكذلك القول في التقاء الخطين ، وكل ذلك إنما هو بضم جرم إلى جرم ، وكذلك مكان كان فيه زيد ، ومكان كان فيه عمرو إلى جانبه ، فقاما عنه ، فصار المكانان مكانا واحدا ، فهذا هو الفصل المشترك بين الجرمين الذي هو آخر للأول وأول للثاني ، وليس جزءا لهما ولا لواحد منهما وإنما هو نهاية ارتفعت للاجتماع الحادث . وكذلك الفصل المشترك للزمان ، فهو قولك الآن ، فإن الآن نهاية للماضي « 1 » وابتداء للمستقبل ، فإذا أتى « 2 » المستقبل ، صار الذي كان الآن ماضيا ، مع الماضي قبله ، فاتحدا أي صارا زمانا واحدا ماضيا ، وقولك « الآن » هو حال لا ماضيا ولا مستقبلا ، فهذا هو الذي قلنا فيه إنه متصل لأنه يتصل الشيئان منه فيصيران شيئا واحدا . وأما قولنا في العدد والقول : إنهما منفصلان وإن لهما ترتيبا وليس لهما فصل مشترك ، فهو أن الحروف التي ذكرنا آنفا وهي حروف الهجاء فإنه لا يجوز أن تجتمع الباء مع التاء فيصيران معا باء واحدة أو تاء واحدة أو حرفا واحدا ، وكذلك الباء مع الباء والتاء مع التاء وكل حرف مع مثله أو مع خلافه كذلك ولا فرق ، بخلاف ما ذكرنا قبل من تصيّر المكانين مكانا واحدا والزمانين زمانا واحدا والجرمين جرما واحدا والسطحين سطحا واحدا والخطين خطا واحدا . لكن لهذه الحروف ترتيب في ضم بعضها إلى بعض ، يقوم من ذلك الترتيب فهم المعاني في الكلام ؛ وكذلك النغم ، لا يجوز أن تصير النغمتان نغمة واحدة ولا المعنيان معنى واحدا ، لكن لكل ذلك ترتيب معلوم ، فلهذا سمّي القول منفصلا ، وقيل فيه « 3 » : إنه ليس له فصل مشترك . وكذلك العدد فإنه لا يجوز أن تضم ثلاثة قد انتهت إلى ثلاثة تبتدئها فتصير الثلاثتان ثلاثة واحدة . وهكذا كل عدد إلا أن يضم بعض الأعداد إلى بعض ترتيبا ونظما معلوما تعرف به نسبة بعضها من بعض وحدوث أعداد من جمع بعضها إلى بعض ، فهذا غاية البيان في هذا الباب ، ولم نترك فيه شيئا من اللبس بحول اللّه تعالى وقوته الواردة علينا الموهوبة من قبله عزّ وجل ، وله الحمد والشكر ، لا إله إلا هو .
--> ( 1 ) م : لما مضى . ( 2 ) م : مضى . ( 3 ) فيه : سقطت من م .